لقد ساعدت جماعات الضغط (اللوبيات) في مجال النفط والغاز في دفع موضوع التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه في باطن الارض إلى قَلبْ خُطط المناخ في أوروبا، حيث إن التقنية (التي هي بالأصل مُصممة لاستخراج المزيد من النفط من خلال ضخ هذا الغاز في الأبار النفطية) لا تبدو وكأنها البداية الأكثر تفاؤلاً لحل مُشكلة تغير المناخ!
المُشكلة، كما يقول الخبراء، هي أنه يتم تضخيمها على حساب العمل المناخي الحقيقي – بمساعدة الافتقار إلى الفهم العام، وهي (ما هي العملية التي نقصد بها عندما نقول التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه بالضبط؟، وأين بدأ، وإلى أين تحاول الصناعة أخذه بعد ذلك!)
في كل الاحوال، هناك زيادة هائلة في عمليات (التقاط ثاني أوكسيد الكاربون)، حاليًا هناك 50 منشأة تجارية لهذا الغرض حول العالم، قادرة على التقاط حوالي 50 مليون طن من ثاني أوكسيد الكاربون سنويًا، وهذا لا يمثل سوى 0.1% من الرقم القياسي البالغ 36.8 مليار طن الذي أنتج هذا الكم من الإنبعاثات في عام 2023.
على الرغم من هذا السجل السيئ و الإمكانات غير المُثبتةْ، فإن التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه أصبح جزءًا مهمًا من خُطط المناخ العالمية.
في قمة المناخ التي عقدتها الأمم المتحدة العام الماضي، حقق أنصار مشاريع التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه (المرتبطون إلى حد كبير بصناعات الوقود، النفط والغاز) فوزًا كبيرًا بتأييد “تقنيات التخفيف والإزالة” في الاتفاق، حيث حضر حوالي 500 من جماعات الضغط في الصناعة (صناعة النفط والغاز) في مؤتمر كوب COP29 في الشهر الماضي في اذربيجان!

بالنسبة لنشطاء المناخ الذين يراقبون الاحتباس الحراري العالمي عن كثب، فإن هذا التحول الأوسع نطاقًا إلى الحديث عن الانبعاثات “الصافية” – بدلاً من خفض الانبعاثات عند المصدر – أمر خطير للغاية.
قالت ليلي فور Lili Fuhr، مديرة برنامج الاقتصاد للنفط والغاز في مركز القانون البيئي الدولي (CIEL)، لقناة يورونيوز، يُعتبر التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه، شريان الحياة للصناعة (صناعة النفط والغاز) و أحدث طرق (تكتيكات) التأخير للشركات، وهو عبارة عن سراب يجب ألا نصدقه!
إن الوعي العام بالتقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه غامض، ولكن مع الخُطط الضخمة للتوسع، من المقرر أن تصبح البنية الأساسية أكثر حضوراً في حياة الناس، والأمر الأكثر أهمية هو أننا جميعاً لدينا مصلحة في تأثيرها على تغير المناخ.
اذن، ما هي عملية التقاط ثاني أوكسيد الكاربون و تخزينه CCS؟

التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه، هو عملية التقاط بعض من ثاني أوكسيد الكاربون الناتج عن المصادر الصناعية الكبرى، قبل أن يتم إطلاق الغاز في الغلاف الجوي، ثم يتم ضغطه وتحويله إلى حالة سائلة، ونقله عبر خط أنابيب (أو سفينة أو سكة حديد أو ناقلة برية) وحقنه في موقع تخزين تحت الأرض، و تتكون معظم المواقع من صخور مسامية تعلوها صخور غير نفاذة، لمحاولة الاحتفاظ بغاز ثاني أوكسيد الكربون؛ وتشمل حقول النفط والغاز المُستنفدة، و مناجم الفحم والطبقات الجوفية المالحة العميقة.

(فقط صورة توضيحية، الواقع يختلف، حيث ان الصخور التي يمكن حفظ غاز ثاني أوكسيد الكاربون فيها تقع في باطن الأرض، بعمق يتراوح من مئات الامتار، الى كيلومترات)
ترتبط عملية التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه بمجموعة من الحلول التقنية الأخرى، وغالبًا ما يتم استخدامه بالتبادل مع التقاط ثاني أوكسيد الكاربون، استخدامه وتخزينه (CCUS) – والذي يغطي كذلك استخدام غاز ثاني أوكسيد الكاربون المُلتقط لصنع منتجات مثل (الخرسانة الأسمنتية، المواد الكيميائية، البلاستيك، الأسمدة والوقود).
على النقيض من إنبعاثات عملية الاحتراق، فإن انبعاثات العملية اللازمة لصنع هذه الأشياء غالباً ما تقدم من قبل الشركات على أنها (تلوث لا مفر منه)، ولا يمكن السيطرة عليه، إلا من خلال عملية إحتجاز وتخزين ثاني أوكسيد الكاربون.
من أين يأتي غاز ثاني أوكسيد الكاربون، الناتج من الصناعة؟
عادةً عندما يتم فصل غاز ثاني أوكسيد الكاربون عن الغاز الطبيعي في الحقول (النفطية والغازية)، يتم طرحه ببساطة في الغلاف الجوي، ولكن في عام 1972، أكتشف عمال النفط في غرب ولاية تكساس الأمريكية، أنه يمكنهم حقن هذا الغاز الى الصخور مرة أخرى، الحاوية على النفط، للحصول على إنتاج أكبر والمزيد من الإستمرارية في إنتاج النفط.
لا تزال عملية ضخ غاز ثاني أوكسيد الكاربون الى الصخور مرة أخرى أو ما يطلق عليه في الصناعة النفطية (الاستخراج المدعم لإنتاج النفط EOR) تمثل حوالي 73%، من استخدام ثاني أوكسيد الكاربون المُحتجز، وفقًا لمعهد اقتصاديات الطاقة والتحليل المالي Energy Economics and Financial Analysis..
ولكن في عام 1976، وضع الفيزيائي الإيطالي سيزاري ماركيتي نظرية حول اتجاه أكثر فائدة لثاني أوكسيد الكاربون: تخزينه تحت الأرض أو في البحر لتجنب التغيرات في مناخ الأرض.
لم يتم إطلاق أول مشروع كبير لالتقاط وتخزين غاز ثاني أوكسيد الكاربون بهدف الحد من الانبعاثات في النرويج إلا في عام 1996، ولا يزال حقل سليبنر Sleipner للغاز، الواقع في وسط بحر الشمال، يلتقط أكبر كمية من ثاني أوكسيد الكاربون في أوروبا. و
أنضم إليه منذ ذلك الحين عدد قليل من المواقع: سنوفيت Snøhvit، وهو مشروع نرويجي آخر قبالة سواحل النرويج مع بعض الأسس القلقة، وأوركا Orca في أيسلندا (DAC+S)، ورافينا Ravenna في إيطاليا.
بيلين بالانيا Belén Balanyá، الباحثة والناشطة في مرصد الشركات الأوروبية (Corporate Europe Observatory (CEO))، تتابع جهود الضغط (اللوبيات) التي تبذلها صناعة الوقود (النفط والغاز) لمدة 25 عاما – مما أدى إلى تركيزها مؤخرا على موضوع التقاط و تخزين غاز ثاني أوكسيد الكاربون.
تقول لشبكة يورونيوز غرين:
“عندما تنظرون إلى ما هو مُدرج على الأجندة، تجدون دائما منافذ للهروب (من قبل الشركات) لتبقى تمارس عملها المعتاد، و إنها المكان الذي يلجأون إليه عندما يضطرون إلى ذلك – و عندما تكون هناك معرفة أكبر وقبول أكبر بشأن تغير المناخ ودورهم، و أنهم يجب أن يتخلصوا من ثاني أوكسيد الكاربون.”
ترى بيلين بالانيا، عددًا من العوامل وراء “إحياء” موضوع احتجاز غاز ثاني أوكسيد الكربون وتخزينه في السنوات الأخيرة، لكنها تعزو ذلك في المقام الأول إلى حملة (صافي الصفر للإنبعاثات).
مع تفاقم أزمة المناخ – وإحجام الحكومات عن الإشراف على تخفيضات الانبعاثات الكبيرة اللازمة – يضطر صناع السياسات إلى الاعتماد بشكل متزايد على الحلول التقنية في خدمة “الحياد المناخي” في المستقبل.
وقد أدرجت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) المكلفة بتحليل موضوع التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه هذه التقنية في تقاريرها الأحدث – مما أدى إلى إنشاء نوع من حلقة التغذية الراجعة للشرعية التي تستخدمها الصناعة لتعزيز قضيتها.
لكن العلماء يتوقعون دورًا محدودًا فقط لها على مسار متوافق مع 1.5 درجة مئوية، على النقيض من الطاقة المتجددة والحلول الرئيسية الأخرى.
من اللافت للنظر أن بريق الغاز الطبيعي كوقود نظيف، وبالتالي “جِسر، حلقة وصل مهمة” إلى مصادر الطاقة المتجددة) لم يتلاشى إلا في السنوات العديدة الماضية.
تكمن الآمال الصناعية الآن في غاز الهيدروجين – الذي لا يكون نظيفًا إلا بقدر نظافة الوقود الذي ينتج الهيدروجين، وينطوي الهيدروجين الأزرق على التقاط ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه، وبالتالي ساعد في رفع التقنية إلى الإطار – من خلال دورها الرئيسي في الصفقة الخضراء الأوروبية، على سبيل المثال.
وكجزء من هذا، تخطط استراتيجية إدارة ثاني أوكسيد الكاربون الصناعي في الاتحاد الأوروبي لالتقاط 450 مليون طن سنويًا من ثاني أوكسيد الكاربون بحلول عام 2050 – وهي زيادة مذهلة على 1 مليون طن سنويًا، وفقًا لتقرير “انقلاب الكربون” الصادر مؤخرًا عن مرصد الشركات الأوروبية.
كما يؤكد معهد إحتجاز الكاربون وتخزينه العالمي، فإن هذا سيتطلب “زيادة هائلة” في جميع أنحاء أوروبا – للبنية الأساسية للنقل، التخزين، التمويل، والمشاركة العامة.
في الإجمال، أفاد معهد احتجاز الكربون وتخزينه العالمي بوجود 186 مشروعًا تجاريًا جاري تنفيذها في أوروبا.
كما أن عودة موضوع احتجاز غاز ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه في الاتحاد الأوروبي تأتي جزئيًا كرد فعل على قانون خفض التضخم في أمريكا، والذي زاد بشكل كبير من إعانات الحكومة لصناعة (التقاط ثاني أوكسيد الكاربون و خزنه)!
تقترح بيلين بالانيا أن الساسة الأوروبيين كانوا حريصين على اللحاق بالركب، خاصة بعد خسارتهم بالفعل سباقات التقنية النظيفة الكبرى مثل الطاقة الشمسية لصالح الصين.
يكشف تقرير Corporate Europe Observatory، عن تقارب غير مريح بين المجموعات التي تهيمن عليها الصناعة (صناعة النفط والغاز) وهيئات الاتحاد الأوروبي.
إن منتدى احتجاز غاز ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه (الذي أصبح الآن منتدى إدارة الكاربون الصناعي) الذي أنشأته المفوضية الأوروبية في عام 2021 هو حدث سنوي يضم مجموعات عمل تغذي مباشرة عملية صنع السياسات في الاتحاد الأوروبي.
لكن كل مجموعة كانت برئاسة مُشتركة من قبل صناعة الوقود (النفط والغاز) أو المنظمات المرتبطة بها.
بعد متابعة أحدث منتدى لإدارة الكاربون الصناعي في بلدة باو الفرنسية الصغيرة في شهر تشرين أول/ أكتوبر 2024، صُدمت راشيل كينيرلي Rachel Kennerley، الناشطة الدولية في مجال إحتجاز غاز ثاني أوكسيد الكاربون في مركز القانون البيئي الدولي، بنقطة إتفاق بين الناشطين وجماعات الضغط (لصناعة النفط والغاز)، وهي (أنه لا توجد حجة تجارية لاحتجاز ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه).
وعلى الرغم من قبول هذه الحقيقة، تقول جماعات الضغط (لصناعة النفط والغاز)، إن الاتحاد الأوروبي يجب أن يخلق السوق، بما في ذلك من خلال التمويل العام “لإزالة المخاطر” من التطورات.
تعد استراتيجية إدارة الكربون الصناعي في الاتحاد الأوروبي باستخدام منتدى إدارة الكربون الصناعي “لتحفيز النقاش العام وزيادة الفهم العام والوعي بإدارة الكربون الصناعي”.
ولكن أول ورقة بحثية أعدتها مجموعة العمل المعنية بالإدراك العام في العام الماضي تكشف عن نية أكثر تحديداً “لإثبات شرعية تقنية التقاط غاز ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه بين عامة الناس”.
يتردد صدى هذا التناقض بين إعلام الناس وإقناعهم في أجزاء أخرى من مناقشات (احتجاز غاز ثاني أوكسيد الكاربون وتخزينه).
وتقول راشيل كينيرلي، لشبكة يورونيوز:
“إن صناعة احتجاز الكربون تستخدم مصطلح إدارة الكاربون كغطاء وهمي، ويبدو هذا المصطلح حَسنْ، ولكن في الواقع لا نستطيع إدارة الانبعاثات، و إن حجم البنية الأساسية اللازمة لتسييل و تخزين غاز ثاني أوكسيد الكاربون التي ستكون مطلوبة لخطط أوروبا، هائل، بما في ذلك آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب عبر الأراضي وفي المياه الساحلية والعميقة، والتحديات الفنية والسلامة التي يفرضها هذا هائلة، وسوف تعمل الصناعة جاهدة إلى الأبد لإقناع الجمهور بأن هذه فكرة جيدة”.






